الشيخ إبراهيم بن وصيف شاه
75
مختصر عجائب الدنيا
ففعل كما قالت ، فنقل منها مالا كثيرا ووجد في ذلك المكان درع من زرود ، وهو من ذهب مختوم بطين من ذهب فيه مكحلة من زبرجد ، فيه زرور أخضر وميلها عرق من جوهر أحمر من اكتحل / من ذلك الزرور ، وكان أشيبا عاد شعره أسود يصير ناظرا لأصناف الروحانيين . ووجد تمثال نمس من ذهب إذا ظهر تغيرت السماء وأمطرت . ووجد تمثال غراب من حجر من استخبره عن شيء صوت وأجابه . فضم ذلك جميعه إليه واستغنى غناء كثيرا . فبلغ حوريا أمره ، فشق عليها ذلك وكادها وما كان غرضها إلا أن تبعده وهلاكه ونفاذ ما معه . وعند جيرون أنها على ظاهر كلامها أولا من أمر تزويجها إياه وجلوسه على سرير مملكتها ، وقالوا في المثل السائر : « قلب الأسد مأمون وقلب الآدمي مسمون » « 1 » . ثم أن جيرون أرسل يعلمها بإتمام البناء ، وتمهيد البلاد لتجهز للمسير إليه من غير تأخير ولا مهلة ، بل تسرع في النقلة . فلما وصل إليها الخبر أخذت منه الحذر ، ثم أنها قالت : لا تؤخذ القلاع إلا بالحيل ، ولا تخدع الملوك إلا بالتحف . فعمدت إلى أفخر ما عندها من الفرش ، وقالت لرسولها : قل له يجعل هذا في المجلس الذي يجلس عليه ثم يقسم الجيش أثلاثا ، وينفذ إليّ ثلثا بعد ثلث ، فإذا بلغ ثلث الطريق انفذ إليّ الثلث الآخر ، هكذا إلى أن أصل إليك ، والجيش يقدمني ، ويخلفني ، فيكون ذلك حفظا لي ، فخرة لك ، فإذا وصلت إليك ، فلا تدع عندك أحدا في المجلس غير صبية للخدمة فإني موافية بجوار يكفينك الخدمة ولا أحتشمهن إذا خلوت معك . وحملت جهازا كثيرا يليق بالملوك مع أموال كثيرة وركبت في جيشها ، فلما علم بمسيرها أرسل الثلث الأول ، فلما رأتهم أشارت إلى جواريها ، استنزلتهم ثم ميدت طعاما وسمّته ، فأكلوا ، فلم يصبح منهم متحرك ، وهكذا فعلت ببقية الجيش . فدخلت إليه هي والساحرة التي أرسلتها له لما قدم مصر ، فسألها عن العسكر ، قالت : وكلتهم بحفظ ملكي ، وغمزت الساحرة فنفخت في وجهه نفخة أبهتته / . ثم رشت عليه شيئا معها ارتعدت منه مفاصله ثم أنها خلصت رأسه وأرسلت بها إلى قصرها ، وشربت من دمه ، وقالت : دماء الملوك شفاء ، ونصبتها ، وحملت جميع تلك الأموال إلى منف ، وأقامت منارا بمدينة بالإسكندرية ، وزبرت عليها اسمها واسمه وما عملت معه ، وأرّخته ووصل خبرها الملوك الذين يتاخمون بلدها ، فعند ذلك أهابوها وأذعنوا لها ، وقدموا لها التحف والهدايا الثمينة ، وعملت بمصر عجائب كثيرة ، وبنت على حدّ مصر من ناحية بلاد النوبة حصنا عظيما ، وقنطرة يجري من تحتها ماء النيل ، فلما اعتلّت أوصت ووهبت وأعطت وقلدت ابنة عمها .
--> ( 1 ) راجع : موسوعة الأمثال العربية والعامية ، من تأليفي .